خالد.
الكتابات
استكشاف تفاعليمشاريع تقنية المعلومات

الشيء الثالث

10 دقائق قراءة

على حدّ علمي، هناك بالضبط طريقتان صريحتان لشراء البرامج من شركات أخرى.

يمكنك أن تشتريها كمنتَج. يحتفظون بمصدر البرنامج وخارطة طريقهم ومسافتهم منك. وتحصل أنت على واجهاتٍ واضحة، وتوثيق، وحقِّ البحث عن بديل. إن كانت وعودهم غامضة فذلك شأنهم وحدهم. أنت اخترتهم لما يستطيعونه اليوم، ولا شيء في خطتك يقوم أو يسقط بما قد يفعلونه السنة المقبلة.

أو تشتري خدمة. يعملون في قائمة مهامك، وعلى بنيتك التحتية، ووفق أولوياتك، وكل ما يبنونه ملكٌ لك. يتقاضون أجرهم عن كل مهمةٍ مُسلَّمة. وإن لم يعد الأمر مجديًا، تستبدلهم وتحتفظ بمصدر البرنامج، ببساطة.

لا تفتقر مشاريع تقنية المعلومات إلى الكوارث. لكنَّ نوعًا واحدًا يبدأ دائمًا بالطريقة نفسها: شخصٌ ما يوقّع عقدًا على شيءٍ ثالث. وقد شهدت هذا عدة مراتٍ حتى الآن.

طبعًا يبدو الأمر منطقيًا على الورق. يحتفظ المورّد بملكيته الفكرية، كشركة منتَجات. لكنه يشغّل أيضًا ما يبنيه، على حساباتك السحابية، كشركة خدمات. قائمة مهامه خاصّة ولا تستطيع الاطلاع عليها. مصدر البرنامج صندوقٌ أسود. خوادمه تُضخّم فاتورتك، ولا يحقّ لك حتى تحديد حجمها. الملكية والتشغيل والرؤية: ثلاثتها تشير الآن إلى جهاتٍ مختلفة، ولا واحدة منهم تشير إليك.

ما يلي مزيجٌ من كل الحالات التي شهدتها. يأتي الجدول أولًا. إذ يجب تتبّع تقدّم المورّد، وقائمة مهام المورّد غير متوفرة. فيظهر جدول بيانات يُحدَّث يدويًا: عشرات الأعمدة، بعضها نسخة طبق الأصل عن الأخرى، وكل صفٍّ وصفٌ لمهمةٍ تعيش أصلًا في مكانٍ لا تستطيع رؤيته. قد تضحك من الجدول، لكن لا تفعل. فالجدول نسيجُ ندبة، وكل جدول تتبع في فريقك يشير إلى موضعٍ يُئس فيه من أداةٍ مشتركة فنبت حلٌّ التفافيٌّ مكانه.

ثم ينعقد اجتماعٌ آخر، وينفتح بابٌ آخر. تقدّم المورّد لا يُرى، فتظهر مكالمة «تنسيقية» يومية كي يُسأل المورّد كيف تسير الأمور. يُدعى إليها عشرات الأفراد. منهم من يعتذر عن الحضور. ومعظمهم لا يردّ أصلًا، لأن الاعتذار والقبول كلاهما التزام، وأسلم جوابٍ أحيانًا هو لا جواب. يحضر فعليًا نحو اثني عشر شخصًا، كل صباح، لنصف ساعة. تبدو الدعوة مفيدة، لكنها استطلاعُ حالةٍ في هيئة اجتماع. إذا غُيِّبت الأنظمة، أُجبر الأفراد على سد الفراغ، وهذه الآلية تعمل على حساب كشف الرواتب. اثنا عشر شخصًا، نصف ساعة، خمسة أيام في الأسبوع، إلى الأبد. وكل ذلك ثمن غياب نظام مهامّ مشترك.

ثم الصفحات، وحدِّث عنها ولا حرج. ينشئ أحدهم صفحةً لتوثيق موضوعٍ سينتهي في قائمة مهام أحدٍ في كل حال. بعد أشهر تزدحم الصفحة، وتنظيفها عملٌ إضافي، فيُودِعها في الأرشيف ويستنسخ نسخةً جديدة. لا بأس. غير أن الرابط في دعوة الاجتماع الدوري ما يزال يشير إلى الصفحة القديمة، وسيبقى كذلك سنوات، فمن يعدّل سلسلة اجتماعاتٍ أصلًا؟ وليس في الأمر خبث، حقيقةً، وهذا هو الشيء المزعج. كل خطوةٍ كانت تسهيلًا صغيرًا مستقلًّا تمامًا عن غيره.

الآن انظر إلى الحطام. الحقائق لا أثر لها، ليس لأن المعلومات أُخفيت، بل لأنها تكاثرت حتى لم يعد أحدٌ يميّز الحديث من القديم. الحقيقة ببساطةٍ غارقةٌ تحت الأعداد.

وفوق كل شيءٍ تستقرّ طريقةٌ في الكلام. «في أقرب وقتٍ ممكن». «حيثما كان ذلك منطقيًا». «بأعلى أولوية». «سنحتاج إلى دراسة الأمر». أصغِ إلى هذه الجمل كما يصغي المهندس: لا يمكن لأيٍّ منها أن تكون خاطئةً أبدًا. وهذا يبدو مديحًا حتى تفكر قليلًا. فالجملة التي لا يمكن أن تكون خاطئة لا تحمل معلومة؛ إنها لا تستبعد شيئًا. إن أُكثر منها يصبح تقريرُ الحالة متوافقًا مع كل واقعٍ ممكن، وهذا ما يحتاجه المستمعون. عرّف الفيلسوف هاري فرانكفورت الهراء بأنه كلامٌ لا يبالي بالحقيقة. وقد كتب في ذلك كتابًا كاملًا. وكان يكفيه أن يقرأ صفحةَ حالة مشروعٍ واحدة ليوفّر على نفسه العناء.

مشروع الفجر، تقرير الحالة الأسبوعيأصفر

انقر على جملةٍ لترى ما تستبعده.

المحتوى المعلوماتي لهذه الصفحة: جملةٌ واحدة من ستّ. أما الشارة فتلخّص الجمل الخمس الأخرى.

في هذه اللهجة العمل دائمًا في المستقبل، وقد أخذ مني وقتًا حتى انتبهت إلى ذلك. «سننظر في الأمر الأسبوع المقبل» تصير «نظرنا في الأمر، وسنعالجه الشهر المقبل». النظر في الأمر يُنتج نظرًا آخر في الأمر؛ الأفق يتدحرج، ووحدة زمن الانتظار تتضخّم، فيصير الأسبوع شهرًا. وللتصعيد بابه الخاص: تصعيدٌ لا يسلّم شيئًا سوى أنه حدث، تصعيدٌ بتاريخ، ولكن بدون عواقب. وحين تتحوّل شارة الحالة أخيرًا من الأصفر إلى الأحمر، اقرأ ما تحت العنوان: الجمل تقول الشيء نفسه. يتغيّر اللون ولا تتغيّر اللهجة. فالأحمر ليس إلا أصفر مع تهديدٍ بالعنف.

ما يجعل محاربة هذه اللهجة شبه مستحيلة أنها ليست صفحةَ التوثيق نفسها ولا شخصًا واحدًا بعينه. وفي صفحات مليئة بالمبهمات جملٌ صادقة دقيقة، فلا تستطيع الاعتراض على الصفحة، بل على تفاصيل صغيرة منها، والاعتراض على التفاصيل الصغيرة يبدو تنطّعًا. ثم إن اللهجة للجماعة لا لصوتٍ منفرد. «الأمر يعتمد». «علينا أن ندرس الأمر». «لا أستطيع أن أجيبك». حين يقولها ما يكفي من الأفواه، تكفّ اللهجة عن كونها طبعَ شخصٍ وتصبح لغةَ الغرفة الأم، الشيء الذي يتشرّبه الجدد في أيامهم الأولى.

ويُكمل المخضرمون الحيلة، ليس لأن المخضرم يخادع. فحين يقول من أمضى عقودًا في النظام «الأمر يعتمد»، فالأمر غالبًا يعتمد فعلًا. لقد رأى إجاباتٍ واثقة تنهار من قبل. المشكلة أن الغرفة لا تميّز الحذر المكتسَب من المراوغة، وكلاهما يخرج بالكلمات نفسها. فيستعير كلُّ مبهم من المجموعة مصداقيةَ المخضرم، ويُرى الغموض، إذا قيل من مقامٍ عالٍ، كنوعٍ من الحكمة.

إن كان هذا يشبه مشروعك: أعدك أنني لم أكن أصف مشروعك. وهذا أشدّ ما يمكنني قوله إذ إنه يشبه المشاريع كلَّها.

لماذا يتقدم المرض؟ إليك مشهدًا واحدًا، مُركّبًا مثل غيره. يُعطى المورّد سؤالًا لا يجيب عنه إلا فريق تقني للبنية التحتية. تحليل تكلفة، أو خطة سعة، اختر ما شئت. والسبب أن خوادمه لم تُستخدم بكفاءة وكان ذلك على حساب العميل. المورّد في هذا المشهد عددٌ من العلماء المختصين. بارعون فيما استُقدموا له ولكنهم ليسوا مؤهّلين للعمل التقني للبنية التحتية. كلُّ حاضر يعرف الأمرين، بمن فيهم المدير، الذي يقول الآن الجملة التي يقولها المديرون في هذا الموقف دائمًا. وتأتي في ثلاثة أجزاء: هذه مسؤوليتكم، ولا يخصني كيف ستنجزون الأمر، وإن لم يحدث الأمر فالتكاليف عليكم.

قد تبدو لك تلك الجملة نتيجة إدارةٍ سيئة، لكنها وليدة اليأس. لا يستطيع المدير إصلاح مصدر البرنامج، لأنه صندوقٌ أسود. ولا تولّي التشغيل، لأن العقد يقول إن المورّد هو من يشغّل. ولا حتى مشاهدة العمل وهو يجري، لأن قائمة المهام في نظامٍ لا يستطيع أحدٌ من فريق العميل الوصول إليه. كلُّ ورقةِ ضغطٍ حقيقية سُلِّمت بالتوقيع قبل سنوات. وما بقي هو إسناد المسؤولية والتهديد بنقل التكاليف. اللوم هو ما تبقّى من الإدارة بعد أن سُحبت منها كلُّ أوراق الضغط الحقيقية.

لاحظ ما يساويه التهديد فعلًا. إسنادُ المسؤولية إلى من لا يملك القدرة ليس إلا لومًا مُجهَّزًا مسبقًا. فالطرف الذي يحدّد حجم الخوادم لا يدفع ثمنها، والخمول هو النتيجة. وحين يكون ثمن المشروع قد رُصد قبل العمل بسنوات، يصير التهديد بالتكاليف تمثيليةً فوق تمثيلية: فذاك المال قد أُنفق. الجميع في الغرفة يعرفون هذا كله. وتُقال الجملة رغم ذلك. فقولها آخر ورقةٍ متبقية في اليد.

وما نتيجة ذلك الضغط؟ ليس الجواب، فهم عاجزون عن إنتاجه. ما يخرج بدلًا منه هو لغة «سننظر في الأمر الأسبوع المقبل». اللوم يتدفق نزولًا، والمبهمات تتدفق صعودًا، ويغادر الطرفان وبيد كلٍّ منهما أثرٌ ورقي يثبت أنه أدّى دوره. لومٌ يدخل، هراءٌ يخرج. وليست اللهجة إلا طريقة الناس في تدبّر أمورهم داخل نموذجٍ مكسور.

يمكنك تشغيل هذه الآلة بنفسك هنا. مشاريع كهذه تُسمّى بطيخات: خضراء من الخارج، حمراء من الداخل. ارفع ضغط اللوم وراقب كيف يفترق اللونان.

ضغط اللوم30%
86
الصحة الفعلية
90
الصحة المُبلَّغة
شارة الحالةأخضر
الدورة 0● يعمل

التقارير تطابق الواقع. والمشاكل تُصلَح وهي صغيرة.

غريزة المهندس عند هذه النقطة تدعوه ليبني شيئًا. شعرتُ بهذا بنفسي، ورأيت ذلك عند غيري: أمام قائمة مهام مورّدٍ لا تراها، يميل المرء بمحض الغريزة إلى رسم أداةٍ لنسخ المهام بين النظامين. إنها فكرةٌ غبية، وقد يلزمك نحو أسبوعٍ من التفكير الجاد لترى السبب. الحدّ الفاصل لا يختفي. سيكون على أحدهم أن يقرّر، إلى الأبد، أيُّ المهام تُنسخ. والأداة برنامجٌ إضافي يحتاج إلى صيانة. وبعد كل ذلك الجهد، تكون قد اشتريت رؤيةً كاملة لمهامّ ما زلت عاجزًا عن التصرف فيها. سترى كل شيء ولن تغيّر شيئًا. لا تستطيع بالأدوات أن تخرج من مشكلةٍ أصلُها عقد عمل؛ وكل نسخةٍ جديدة من الحقيقة، مهما بلغت براعتها، تنضمّ إلى الحشد الذي يغلبها بالعدد. لا شيء في مشروعٍ «لا يضرّ». كل ما لا يساعد يصبح مصدرًا للتخريب.

يسكن الإصلاح حيث يسكن العطب، في النموذج. إن كان المورّد يؤدي وظيفتين، فافصلهما إلى علاقتين. الأشخاص أنفسهم إن شئت؛ الشكلان مختلفان. يصبح النصف الأول شركةَ منتَجٍ حقيقية. يحتفظون بمصدر برنامجهم وخارطة طريقهم، ينشرون التحديثات كل ربع سنةٍ أو كل سنة، يتتبّعون عيوبهم بأنفسهم، ويدينون لك بواجهاتٍ واضحة بدلًا من الشفافية. تثبّت صندوقهم الأسود على بنيتك التحتية، وتشغّله أنت، وتبني حوله ما يلزمك من وصلات، وتحتفظ بحق الرحيل. ويصبح النصف الآخر فريقَ خدمةٍ حقيقيًا. يعملون في نظام مهامك، وعلى أنظمتك، ونيابةً عنك. ما يبنونه ملكٌ لك، ويتقاضون عن كل مهمةٍ مُسلَّمة، وهم قابلون للاستبدال بحكم الاتفاق نفسه. تخسر شيئًا في هذا الفصل: نصف المنتَج لن يعطيك أبدًا سوى خارطة طريق، لا موعدًا. لكن انظر إلى ما تستعيده. نصف الخدمة يعمل الآن حيث تراه، فتعرف بالضبط متى تبلغ التغييرات بيئة الإنتاج، ومفتاح تشغيل البرنامج في عالمك صار أخيرًا في يدك.

نصفا هذا الحل موجودان فعلًا. تنشر إيه دبليو إس ومايكروسوفت خرائط طريقٍ لمئات الآلاف من العملاء، وتلك الخرائط لا تلتزم تقريبًا بأي شيء. ولا يغرق أحد، لأن معمارية العميل لا تعتمد على تلك الوعود؛ يبقى الغموض على الجهة الأخرى من الواجهة، حيث هو مجرّد نشرة أحوال جوية مستقبلية. إن انتقل الغموض نفسه إلى داخل قائمة مهامك، فإذا بموعد إطلاقك يعتمد فجأةً على «سننظر في الأمر». هذا هو القانون المختبئ في هذا المقال: قدرة العميل على تحمُّل الهراء تعتمد على شدّة الارتباط. وهذا يشير أيضًا إلى الإصلاح الحقيقي. مطالبةُ الأفراد المضغوطين بإفاداتٍ تحتاج الشجاعة لا تُصلح شيئًا. أصلح النموذج، حتى تعود الجمل الصريحة في المتناول من جديد.

فراجع مورّديك إذن. أربعة أسئلة: من يملك مصدر البرنامج، من يشغّله، من يدفع الفاتورة، من يستطيع رؤية العمل. إن لم تصطفّ الإجابات في أحد الشكلين الصريحين، فلا تنتظر الكارثة؛ امشِ في أرض المشروع وستجد الأمراض تتكاثر. جدولٌ يكرّر نفسه. مكالمةٌ يومية يتجاهلها الناس أو يقبلونها على مضض. صفحةٌ لا يجدها أحد. غرفةٌ مليئة بأناسٍ طيبين يتكلمون لغةً لا يمكن فيها لشيءٍ أن يكون خاطئًا.

الأسئلة الأربعة مطبَّقةً على مورّدك

من يملك مصدر البرنامج؟
من يشغّله؟
من يدفع الفاتورة؟
من يستطيع رؤية العمل؟

أربعة أسئلة، حكمٌ واحد.

لن أدّعي أن شيئًا من هذا سهل الإصلاح في مشروعٍ قائم. فعقودُ الشيء الثالث تُوقَّع لسنوات، ورؤية المشكلة بوضوح لا تضمن أنك في موقفٍ يسمح لك بالقول بصوتٍ عالٍ. لكن المتانة سلاحٌ ذو حدّين. النموذج المكسور يدوم لأنه يُعمّر أطول ممن يحاربونه. والنموذج المُصلَح يدوم بالطريقة نفسها تمامًا. أصلح الشكل مرةً واحدة، وسيبقى الإصلاح يعمل طويلًا بعد أن يغادر كلُّ المعنيين إلى مشاريع أخرى. قد يكفي أن تُسمَع مرةً واحدة. والفرص لكي تُسمَع لا تنقطع: كل تجديدٍ للعقد، وكل تمديد، وكل أزمةٍ يُطلق فيها تهديدٌ لأن لا شيء آخر بقي، كلُّ واحدةٍ منها فرصةٌ جديدة للتغيير.

وحين تأتي الفرصة، تذكّر: الفصل لا يكلّف أحدًا وظيفته. الأشخاص أنفسهم، وقد فُرزوا في أشكالٍ يُقيَّمون فيها على ما يجيدونه فعلًا. العلماء يعودون علماء. والمدير ينال أوراق ضغطٍ حقيقية بدلًا من اللوم. لم يعد على أحدٍ أن يحدّث الجدول أو يجلس في الاجتماع اليومي أو يجيب بالمبهمات. تلك أرجى حقيقةٍ في الأمر كله. لا أحد في هذه الغرف يريد الهراء. لا المخضرم، ولا المدير، ولا المورّد. فاطرح الأسئلة الأربعة، بصوتٍ مسموع، حتى لو كنت أحدث فرد في الغرفة؛ فالسؤال ليس اتهامًا. يعود الناس إلى الجمل الصريحة عندما تصبح سهلة المتناول من جديد. ليس الناس بحاجة للإصلاح، بل النموذج.

مشاركة